جريمة التدافع بصنعاء تنتظر العدالة
الساعة 09:51 مساءً

 

  • مدير عام مكتب حقوق الانسان بأمانة العاصمة صنعاء

مرت ثلاثة أسابيع، على وقوع مجزرة التدافع التي وقعت في مدرسة "معين" في منطقة باب اليمن، وسط العاصمة اليمنية صنعاء، وراح ضحيتها 85 يمنياً، وإصابة أكثر من 322 بجروح، في حادثة تدافع للحصول على مساعدات مالية مقدمة من أحد رجال الأعمال، ماتوا وهم يبحثون عن "خمسة آلاف ريال ما يعادل اقل من عشرة دولارات، بعد إطلاق الرصاص من قِبل مليشيا الحوثي، وحدوث انفجار لمحول كهربائي تسبب في الجريمة، بحسب شهود عيان، وغموض تفاصيلها حتى اللحظة.

فرضت مليشيا الحوثي سياجاً حديداً واسعاً في صنعاء ومناطق سيطرتها لقمع حرية الصحافة والتعبير عن الرأي واحتكار الحقيقة، ومارست تكميم الأفواه وعسكرة المناخ العام، وألغت التعددية السياسية والحزبية ودمرت الحياة الديمقراطية، في انتهاك صارخ للدستور اليمني والقوانين النافذة في البلاد، وفي هذه الحادثة المؤلمة التي شاهدها العالم تحفظت منذ اللحظة الأولى عن تداعيات الواقعة ومنعت الشهود والأهالي من زيارة الضحايا أو الحديث عن أي معلومات تتعلق بالحادثة، واستخدمت القمع والتهديد والابتزاز ضد كل من يحاول اظهار الحقيقة، واحتكرت النشر والتداول والصحافة، وهذه الممارسات انعكاس للحالة العامة في مناطق سيطرتها، فلا يوجد سوى الصوت الواحد واللون الواحد والجماعة الواحدة.

 تحاول مليشيا الحوثي تغييب الحقيقة عن الحادثة التي جسدت الواقع والحياة البائسة، التي وصل إليه أبناء الشعب اليمني من وضع مزرٍ من الإفقار نتيجة نهب المرتبات وايرادات الدولة ومؤسساتها، وعائدات الموانئ وشركات الاتصالات، وفرض ضرائب واتاوات مالية مهولة ضد التجار والمؤسسات التجارية والمحلات واصحاب البسطات، وهي سياسة ممنهجة تتعمدها مليشيا الحوثي لتجويع اليمنيين ومحاولة إذلالهم وهو دأب اجدادهم منذ آلاف السنين، وهذه المذبحة واحدة من سلسلة جرائمهم في اليمن عبر التاريخ، وهو ما أكدته الأمم المتحدة بإن أكثر من 21.7 مليون شخص في اليمن يحتاجون إلى مساعدات إنسانية هذا العام.

تسعى المليشات الى طمس الحقيقة وتزويرها من خلال التكتم والتستر على ملابسات وتفاصيل الجريمة وإخفاء المعلومات والأسماء، تثير الكثير من التساؤلات والشكوك وعلامات الاستفهام حول أسباب التستر، وما تم تداوله من صور وفيديوهات محدودة جداً، وسط غياب للصحافة الحرة وتجاهل دعوات منظمة العفو الدولية وعدد من المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، والمطالب العادلة بسرعة التحقيق الشفاف والمستقل في الحادثة؛ والتحذير من تلاعب مليشيا الحوثي بملف القضية وإخفاء الحقيقة، أو توظيفها سياسياً.

تعمل مليشيا الحوثي على استثمار الجريمة التي تسببت فيها لتضاعف البؤس والمعاناة، في استمرارها بمنع رجال الخير من توزيع المساعدات الخيرية وفرض قيود قاسية على الاعمال الانسانية والخيرية على الفقراء والمحتاجين لتنهب أموال الزكوات والمؤسسات والجمعيات الخيرية، والاستحواذ على المساعدات والمعونات الاممية واستخدمتها للحرب ولعناصرها، وممارسة الضغوط والتضييق والاختطافات والتهديد والوعيد ضد كل من يقدم مساعدات للمحتاحين، يعد انتهاكاً صارخاً ضد الشعب اليمني وامعاناً في التجويع والاذلال، في الوقت الذي تنهب فيه المليشيات أموال الشعب ويشيدون القصور الفارهة وينشئون الشركات التجارية والنفطية.

تنهب مليشيا الحوثي ما يقارب ملياري دولار سنويا من إيرادات الزكاة والجبايات والأوقاف، التي تجنيها، ومن ميناء الحديدة تجني في الشهر الواحد نحو 300 مليار ريال، وتنهب أموال كبيرة من شركات الاتصالات، وجبايات الشركات الكبيرة، ومن النفط والأسواق السوداء، ومن خلال هذه الأموال تستطيع دفع ثلاثة مرتبات في الشهر الواحد، وليس مرتبا واحدا، وبالرغم من كل ذلك تتعمد إفقار وتجويع اليمنيين، لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية وطائفية.

تعمل مليشيا الحوثي منذ سيطرتها على العاصمة صنعاء على تدمير النشاط التجاري في اليمن ونهب وابتزاز التجار والقطاع الخاص والتضييق في محاولة لتهجيرهم وخروجهم ليسهل لها بناء إمبراطورتيها الاقتصادية الموازية، بعد إنشاء عدد من الشركات الاقتصادية والتجارية والنفطية التابعة لها تقليداً لنظام الملالي في طهران، لتستخدمها في تطييف المجتمع وترسيخ الحق الإلهي ونظرية التمييز العنصري والتفوق العرقي بعد فشلها في تركيع وإذلال اليمنيين لصالح مشروعها الطائفي السلالي الذي واحه رفضاً واسعاً في اليمن. 

ما تزال ذاكرة الشعب اليمني حية، ولن تغب عنه جريمة مجزرة إحراق اللاجئين الأفارقة، وجريمة قتل الأطفال بالأدوية المهربة والمغشوشة، وجرائم قتل الأطفال والقصف بالمقذوفات على المدنيين والأبرياء، والكثير من الجرائم والانتهاكات الغامضة ولم يتم الكشف عنها، بل تسارع المليشيات عند كل حادثة لتوظيفها وتلفيق روايات لا تستند إلى أي حقائق.

إن السكوت على هذه الجريمة المفزعة، وتجاهلها، ومحاولة دفنها، والتباطؤ في تحريك ملف الجريمة، لا يقل بشاعة عن ارتكاب الجريمة نفسها، ويتطلب فتح تحقيق عاجل وشفاف ونزيه ومستقل لكشف الحقيقة بحيادية، دون تدخل المليشيات أو الضغط على سير التحقيق، وتعويض الضحايا التعويض العادل والانتصاف للضحايا وأقاربهم، ومعاقبة المتسببين في الجريمة وعدم إفلات المجرمين من العقاب، 

شكل غياب الدولة وسيادة القانون واحتلال المليشيات لمؤسسات الدولة تنامياً للفوضى وانتشار الجريمة، مايوجب على المجتمع الدولي وضع تدابير واجراءات  اكثر فاعلية للحد من الانتهاكات وحماية المتضررين واهالي الضحايا والتجار والبيوت والمؤسسات التجارية التي تتعرض لبطش تهديد وابتزاز المليشيات التي تعبث بحياة المواطنين، وتعمل على تزييف الحقائق وتضليل الرأي العام والتهرب من جرائمها التي لن تسقط بالتقادم، ستأتي العدالة، وينال المتورطون جزاءهم الرادع، ولن يفلت أحد من العقاب.