أكاليل يمانية في سِفْرِ التِّيه والشموخ
الساعة 07:15 مساءً

مفتتح:

ولدتُ من صخرة بين المجرات كان اللّه قد أضاءها في رحلته بين السموات،

وكانت ”فارعة[1]“ قد رعتها في يوم ميلاد آزال.

كانت الارض يبابًا بعد أن غمرتها مياه الطوفان وغَشِيَتها ظلمة السديم.

وحده روح اللّه كان يرفرف في الأنحاء.

كانت مشيئته أن انحسر الماء وبانت حران الجزيرة وغمدان صنعاء، فسكنها جدي نوح  فجدي سام…

فكنت أنا اليماني المبتدأ،

وكنت أنا اليماني الأزل.

————

أنا اليماني

خضتُ بحورًا عشرةً

سكنت أركان المجرة

كنت المداميك

واليوم ماعدت أسكن أرضي.

————

في البدء غرس الله جنة إرم[2] شرق عدن

ومن ترابها خلق آدم،

ومنها أجرى جيحون وحداقل والفرات وفيشون[3]…

وبعد مليون عام تمجد اسم الله في الأزمان

تناسلت الأعراق اليمانية

شأَمت وإلى الشرق والغرب

تعمَّرت بها الأوطان.

كنت الباني لقصر ”غُمدان“

مهرًا لبلقيس[4] من سليمان

وكنت في فتح ”الكامل[5]“ المنصور للصين،

وحملت  مع أفريقيش إلى الأطلس الكبير[6]

وقاتلت فأر السد اللعين…

ولم أُهزَم.

وقدت جيوش الخلافة،

مع الكِندي[7] رفعت الراية في جالولاء،

وفي ممرات البيرينيه السقيعية

كنت حامل راية السمح[8]

في انحدارنا على بواتيه،

وانتصرت وحيدًا في بلاط الشهداء،

ولن أهزم في الهرمجدون[9]

لأنني أنا المستحيل…

 

 فأنا اليماني، وحدي كنتُ، وسأبقى

تحت سماء التكوين

والله فيَّ وحدي…

حتى وإن تعالى النفير في آزال،

وتداعى جُندُ المسوَّدة بشعارات الموت

يمجدون سادةً أنصابًا من دون الله.

سأستلُّ سيفَ الدَّجال من غِمدِهِ

وأقطع رأسه في حوث

واليمانون أنزع عارهم،

واللهَ اسمَه أُمجِّدُ في الأوطان.

————

تركتني أمِّي على قارعة سيل العَرِم،

ورحلت مع أهلها في موسم الهجرة إلى الشمال.

شربتُ من النبع المكِّي

فصرتُ أنا الجرهمي الأنصاري

وسكنتُ في الركن،

فأعدتُ الحجرَ من دَمُّون

 وغزلان الكعبة.

————

هامش أول:

حينما انتصفت الألفية الثانية قبل الميلاد، حملني أهلي إلى الفرعون تحتمس الثالث بقرابين البخور والمُر، وصناديق الذهب والفضة  والعقيق. كان رهطٌ عظيمٌ في موكب القِيل اليماني، حِميَر وسبأ وذو ريدان وحضرموت ويمنات وأتباعهم في ام سهول وام تهايم.

————

كانت الدنيا مطر

سكبتُ من هطله على روحي

علَّني أهدد النوستالجيا

علني أُطمئنُ القَدَر.

زفرة ترسل قطرة حرَّى مالحة على جبيني

فأمزجها بالمُزْنِ استحياءً من القدر،

أنا اليماني

لم أبكِ… ولن أبكيَ… وما بكيتُ

حين كانت الأرض والسماء رتقًا فانفتقتا

وحين انشق الأخدود

ومات ملايين البشر.    

————

أنا اليماني

بالمسند خططتُ زفرتي الأخيرة

بعد مليون عام أو يزيد من الفتوح

واليوم يستوقفني بََرَعُ[10] الذاهبين إلى الموت،

رأيتُ أسمال رجالٍ يبترعون على أجواف جوعَى

يقرعون طبولَ الدَّجَّال ويمجِّدون موتي،

لكنه لن يقتلني

فلم تقتلني المُلمَّات الُمهلِكات

في رحلة المجد الأزلي،

فأنا المستحيلُ الذي لا يموت.

أنا صنو هذا الموت…

هبطت درجاته قطرة قطرة إلى سدرة المنتهى

وعلى جبينه نقشت انتمائي إلى الحياة.

————

هامش ثانٍ

في منتصف الألفية الثانية بعد الميلاد كنت وحيدًا أقف مدافعًا عن مداخل قصر الحمراء. أسفل الربوة كانت غرناطة تبكي ضياع شرفها. كنت زفرة الفارس الأخيرة، فانهزمت إلى حي البيازين ومُتُّ بين الحشود.

————

أنا اليماني التجيبي الحضرمي الإشبيلي القحطاني

حملتُ عروشًا على كتفي من كِندة إلى أراغون

ومُتُّ جائعًا على بابِ حانةٍ في حيِّ الأشراف التَّعِزِّي

مثخنٌ بجراح مليون سنةٍ من احتراباتكم العقيمة…

مستباح.

————

نَسِيَنِي ظلِّي،

صرتُ أتسكَّع وحيدًا بين جِيَفِ الميتَةِ في صنعاء،

بلا ظِلٍّ يلحق بي

بِتُّ مكشوفًا على الشُّرُفات.

ستأتي رياحُ الخريف حتمًا

وتقتلعُ ظلِّي المرسوم على هذا الجدار الأخير.

————

وطني،

كأنَّ مليون مستحيلٍ يباعِدُ بيننا

بينما تسكن سهيل اليماني،

نلوذ أنا وعشيرتي بمستنقعات العنف

وطني،

كأنك مليون مستحيل

يتسكعون في شوارع التِّيه

بيوت اللجوء عناوينهم الدائمة

في صربيا..

في الإكوادور..

وبرلين

ودوسان.

وحدنا والله بدواخلنا وحدنا

تغسلنا أمطار وَوَحلٌ كثيرٌ وضياع…

نحن قوم تُبَّعٍ !!!!

وحدنا في تيه الإله.

————

آهٍ يمني!!!

أضعت بوصلتي

وأصبح رُبَّاني تطبيق في العالَم الرَّقمي.

أفتِّش صفحات الجوجل عن رحلة يهوه[11] بحثًا عن وطن التِّيه.

وحدهم القدِّيسون يحملون مجامر البخور العدني…

في معابد أروميا وتغرينيا[12]،

حيث تركتني أمي بين الرهبان ملفوفًا بالبياض في رحلة البحث عن الخلاص.

————

أنا اليماني بعد مليون حربٍ خضتها،

عدتُ محمَّلًا بكيس أشلائي

مغمَّسًا بالدماء،

وزرعتني في مقبرة ”القطيع[13]“،

أعضاء، أشلاء

لجنودٍ مقاومين عبدوا بطاقات الدفع الُمسَبَّق…

فَنَسُوا الانتماء.

كنتُ أبحث عن الحقيقة المطلقة…

وأضعتها في محرِّك البحث العقيم

لأنها صارت مُطَلَّقَة.

————

أنا اليماني…

لأنني أسافر حاملًا كينونتي ولا أبارحها

ستجدونني في دمائكم جميعًا…

حينما توغلون في الأنساب…

فأنا الأصل رغم غزارة التنكيل.

أنا ابن الغرانيق البيض اللاتي حَلَّقنَ يوم التكوين

أنا اليماني، ساعة القيامة لن تكون بدوني

ولن تجد السماء متعة بغيري

لن تجد ساعة الخلاص

فأنا المستحيل…

المستحيل بلا مناص.

————

واليوم بعد حروب مليون سنة مما تَعُدُّون

بتُّ مثل كولونيل ماركيز لا من يكاتبني أو يعاتبني،

أجلس هنا بعضي على بعضي ركامًا لمليون إنسان

لم يعد لي قارعة أتقرفص عليها

تحت برد هذه المدينة يجتاحني الغياب.

أنا اليماني،

بعد مليون ملحمة يزنيَّة وبعد مليون عاقصة[14] وجِّنيَّة

وبعد انتصارات صنعتها لممالك الدنيا

وبعد سيف إسكالابار وكعب أخيل[15]

وبعد اعتلاء العروش وانتصار الجيوش

أأموت كَرِمَّةٍٍٍ على الطريق؟

وهل يموت المستحيل؟

————

هامش للأبدية

في النصف الثاني من الألفية الرابعة بعد ميلاد السيد المسيح يحملني نيزك عبر المجرات، أنقل رسائل حب مدمجة لحبيبة تسكن خارج درب التبانة من حبيب يماني يقاتل لنصرة جيوش الحق. على ميمنتي تسافر فيالق يقودها الغافقي إلى الشمال، وعلى الميسرة تذهب أخرى بعيدًا إلى الجنوب تقودها بنات سبأ.

 كلي مفعم بنُستالجيا أرض المنشأ، العربية السعيدة، حيث كانت بدايتنا، ونعود إليها في بعثنا القادم.

كتبت هذا النص في تجليات متقطعة خلال الفترة من نوفمبر ٢٠١٧ وحتى يونيو ٢٠١٩

هوامش:

١ تقول الاسطورة ان القيل الهدهاد ابن شرحبيل تزوج بجنية اسمها فارعة كانت آية في الجمال وخلفت له ذرية من العماليق

[2] إرم ذات العماد هي جنة عدن التي ذكرت في القران

[3] في الاسرائيليات انهار جنة عدن

[4] بالنسبة للاثاريين فلا وجود لملكة يمنية باسم بلقيس ولكن الحديث عن ملكات يمنيات كثر يملأ صفحات التاريخ، ويؤكد القران وجود ملكة سبأ، كما يؤكده التاريخ اليهودي. في التاريخ المسيحي باسم ملكة تيمان اي ملكة اليمن. وتقول الاساطير اليمنية ان جنية تزوجت من احد وجهاء مكرب سبأ وانجبا ابنة اسموها بلقيس وانها كبرت وترعرعت في الصحراء بين الجن، فيما تقول رواية اخرى إن الملك الهدهاد ابن شرحبيل تزوج من الجنية فارعة وانجبت له صبية جميلة اسمتها بلقيس.

[5] الملك اسعد الكامل احد ابرز ملوك اليمن وتبابعتها واسمه اسعد أبو كرب الحميري وسمي بالكامل وقد كان يهودي الديانة، وتقول الاساطير بانه فتح الهند والصين وترك هناك ذرية كثيرة من اهل اليمن.

[6] في الاسطورة التي اوردها ابن خلدون في مقدمته فان إفريقيش بن قيس بن صفي غزا افريقيا مع قومه وكانت رحلة التيه الكبرى التي اوصلتهم الى جبال الاطلس الكبير في المغرب حيث يؤكد التاريخ البربري وتاريخ قبائل صنهاجة وكتامة انهم قبائل عربية حميرية.

[7] الصحابي الجليل معاوية بن خُديج الكندي فتح اخر حصون البيزنطيين في الشمال الافريقي.

[8] السمح بن مالك الخولاني فاتح كامل الجنوب الفرنسي في ملحمة الفتح العربي للاندلس.

[9] تؤكد الديانات الابراهيمية الثلاث وجود معركة اخيرة بين الحق والباطل ينتصر فيها الحق .

[10] رقصة حرب يمنية

[11] صورة الاله التي تطورت عند اليهود من المحارب الالهي الى الاله المطلق

[12] الاورومو والتيغراي شعوب اثيوبية وجزء من الامتدادات الكبرى للامة اليمنية

[13] مقابر في حي كريتر في عدن

[14] عاقصة في الميثولوجيا اليمانية الاخت بالرضاعة للملك سيف بن ذو يزن وكانت من معشر الجن.

[15] اساطير الشعوب والثقافات وتشابهها بالاساطير اليمنية