الرئيسية - تقارير وحوارات - نهبوها في صنعاء وأعاقوا صرفها من عدن.. لماذا يعرقل الحوثيون صرف مرتبات الموظفين؟ (تقرير+انفوجرافيك)
نهبوها في صنعاء وأعاقوا صرفها من عدن.. لماذا يعرقل الحوثيون صرف مرتبات الموظفين؟ (تقرير+انفوجرافيك)
الساعة 08:18 مساءً الثورة نت/ تقرير- فارس السريحي

* قطعت مليشيا الحوثي في 2015 مرتبات المحافظات الجنوبية والشرقية والنازحين

* في 2016 أوقفت صرف المرتبات كليا وأعاقت صرفها من عدن بمنع تداول العملة

* تدرك مليشيا الحوثي أن انتظام المرتبات أحد أسباب انتهاء انقلابها عملياً

 

في أكتوبر 2019، عُثر على المعلم "أحمد ملهي" منتحراً. كان "ملهي" يعمل مدرساً في مدرسة النصر بمنطقة ذي السفال بمحافظة إب. 
مصدر مقرّب منه قال إنه كان قد باع معظم ممتلكاته لإعالة أسرته المكونة من 8 أفراد بسبب انقطاع راتبه منذ سبتمبر 2017، وأنهى حياته بعد عجزه عن إيجاد مصدر دخل بديل.
في نوفمبر 2020، أقدم معلم آخر يدعى عمار حيدر القراضي، من أبناء محافظة صنعاء، على الإنتحار شنقًا، بعد عجزه عن دفع رسوم دراسة أولاده، والتي فرضها الحوثيون كشرط أساس لمن يريد تسجيل أولاده في المدارس الحكومية، وفقاً لأحد أقاربه فضل عدم ذكر اسمة.
وفي الشهر التالي، أقدم المعلم م.ع.ص من أبناء صنعاء على الإنتحار برمي نفسه من الطابق الـ10 بعد طرده من الشقّة التي كان يسكنها لعجزه عن سداد إيجارها، ووفقًا لشقيقه (أ.ع.ص).
القصص السابقة، والتي وثّقتها نقابة المعلمين اليمنيين، نموذج مكثّف لأحوال موظفي الدولة في المناطق الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي، بعد أن حرمتهم من مرتباتهم، ومن ثم حرمتهم من المساعدات الغذائية والنقدية التي تقدمها المنظمات الدولية.
يستعرض هذا التقرير أبرز الممارسات الحوثية الممنهجة، طيلة السنوات السبع الماضية، لمنع حصول موظفي الخدمة العامة على مرتباتهم، ويكشف الأسباب الحقيقية لمخاوفهم العميقة من انتظام صرفها.
تدشين سرقة المرتبات
بدأت المليشيا عملية نهب مرتبات الموظفين منذ إعلان زعيمها عبدالملك الحوثي "التعبئة العامة" لاجتياح جنوب اليمن في 21 مارس 2015، فبالتزامن اتخذت خطوة أخرى تمثّلت بإيقاف رواتب الموظفين والمتقاعدين في المحافظات الجنوبية والشرقية، ومرتبات النازحين.
كانت تلك خطوة أولى نحو قطع الرواتب كلياً في أنحاء الجمهورية أواخر العام 2016، ضمن عمليات النهب المنظّم لموارد الدولة والموازنات التشغيلية للمؤسسات العامة لتمويل عملياتها القتالية لاستكمال السيطرة على البلاد.
وخلال فترة قصيرة، أصبح الموظفون الشريحة الأفقر في البلاد، وهو ما ساهم إلى جانب احتكار المليشيا للمساعدات ورفع الأسعار والجبايات في صناعة الأزمة الإنسانية الأسوأ في العالم.
قمع احتجاجات الموظفين
وللمطالبة بمرتباتهم ومستحقاتهم، بدأ الموظفون شمال البلاد وجنوبها احتجاجات وإضرابات في المؤسسات وأمام النقابات والسلطات المحلية، بما فيهم المتقاعدين الذين أوقفت المليشيا رواتبهم منذ مارس 2016.
وشملت حتى عمال النظافة في صنعاء الذين بدأوا في أغسطس 2016 إضرابًا عن العمل ما أدى إلى تكدس القمامة في أحياء المدينة وشوارعها، وكان من أسباب انتشار الأمراض والأوبئة.
وبدلاً من الاستجابة لمطالب الموظفين المطالبين برواتبهم، لجأت المليشيا لقمع الاحتجاجات في مناطق سيطرتها، وملاحقة وترهيب المحتجّين وخصوصاً التربويين.
وبين أكتوبر 2014 وديسمبر2021، رصدت نقابة المعلمين اليمنيين تعرّض 75 وقفة احتجاجية للمعلمين للاعتداء من قبل الحوثيين، مؤكدة استخدامهم عدّة أساليب قمعية لمنع التظاهرات بما فيها قوّة السلاح والضغط والتهديد. 
وكان يحيى الحوثي، شقيق زعيم المليشيا الحوثية، الذي عيّنته الجماعة وزيراً للتربية والتعليم عقب انقلابها أواخر 2014، على رأس حملات قمع احتجاجات المعلمين والمعلمات.
ففي 16 يناير 2019، اقتحم برفقة مسلّحيه، مدرسة بلقيس أثناء وقفة احتجاجية للمعلمات، وحاول منعهن من الإضراب، وهددهن بالفصل واتهمهن بمساندة ما أسماه "العدوان السعودي على اليمن"، وفقاً للمعلمة ش.ع (30 عاماً) التي تحدثت لنقابة المعلمين.
وفي اليوم التالي (17 يناير 2019)، دفع بحملة مسلّحة من عدّة أطقم بقيادة المدعو "زياد رفيق" لكسر إضراب المعلمين بإحدى مدارس منطقة بني الحارث شمال صنعاء. وقال المعلم ر.ح (36 عاماً)، إن المسلحين شنّوا حملة ملاحقة لاعتقال المعلمين الذين قادوا الإضراب.
نهب مرتبات التأمينات
الهيئة العامة للتأمينات والمعاشات، كانت ضمن قائمة الأهداف الحوثية. اقتحمتها المليشيا وفرضت القيادي عبدالسلام المحطوري رئيساً لها، وباشرت بنهب أرصدتها المالية، وهو ما عطل الخدمات التي كانت تقدمها لنحو 650 ألف مُؤَمّن عليه، و130 ألف متقاعد.
واعتبرت الحكومة في بيان أصدرته في أبريل 2017، تكليف المحطوري "ليس خطرًا على مرتبات المتقاعدين وأرصدة وموارد الهيئة فقط، وإنما على ما تم تحصيله خلال الـ50 عاماً الماضية، والذي من خلاله يتم صرف مرتبات أكثر من مليون مواطن من مدنيين وعسكريين".
وقالت إن مليشيا الحوثي نهبت خلال سنتين "أكثر من 750 مليار ريال من رصيد الهيئة في البنك المركزي، وتسعى لنهب ما تبقى من رصيد يقدر بحوالي 200 مليون دولار، وتسخيرها لمصلحة ما يسمى المجهود الحربي".
وفي يناير 2018، وجّهت جمعية المتقاعدين مذكرة إلى رئيس البنك الدولي ناشدته فيها التدخل لإطلاق مرتبات المتقاعدين، واتهمت الحوثيين بنهب 2 تريليون ريال من أموال الهيئة لدى مركزي صنعاء.
ورغم استحواذ المليشيا على الهيئة وأرصدتها، إلا أن الحكومة بادرت، منذ يناير 2017، بدفع مرتبات المتقاعدين في المحافظات المحررة، وبدءً من نوفمبر 2018 بدأت بصرف رواتب المتقاعدين المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين قبل أن تتوقف نهاية 2019 إثر القرار الحوثي بمنع تداول العملة الوطنية الجديدة.
نهب حوافز التربويين
ولم تتوقف المليشيا عند إيقاف صرف مرتبات الموظفين وإعاقة جهود الحكومة الشرعية لصرفها من العاصمة المؤقتة عدن، بل وقفت عائقاً أمام المساعدات الدولية لتخفيف معاناة الموظفين، وتمكينهم من الاستمرار في تقديم الخدمات خصوصاً في قطاع التعليم.
في أكتوبر 2018م قدمتا السعودية والإمارات 70 مليون دولار كمنحة لحل مشكلة إضرابات المعلمين المتكررة في مناطق سيطرة الحوثيين بسبب انقطاع مرتباتهم. على أن يتم صرفها كحوافز شهرية بالتنسيق مع الحكومة وتعاون اليونيسف، بما يضمن وصولها لـ130 ألف معلم.
وعلى طريقتها في نهب المساعدات الإغاثية، فرضت المليشيا على اليونيسف صرف الحوافز حسب كشوفات جديدة تضم أسماء عناصرها الذين وضعتهم بدلاً عن المعلمين الأساسيين؛ لتستحوذ في النهاية على حوافز عشرات الآلاف من المعلمين.
وكشفت إحصائية حقوقية عن فصل مليشيا الحوثي 8 ألف معلم وتربوي، منهم 5 ألف معلم في صنعاء. واصفة ذلك بأنه قرار "تعسفي تمييزي" يأتي "بهدف إحكام السيطرة على قطاع التعليم". وسيخلف "تبعات اجتماعية وإنسانية غير معلومة النتائج".
وكانت نقابة المعلمين قد طالبت المنظمات الإنسانية بعدم التعامل مع كشوفات المعلمين المرفوعة من الحوثيين عند صرف الحوافز واعتماد الكشوفات الرسمية قبل سبتمبر 2014.
ومنذ ٢٠١٩، ينفذ المعلمون وقفات احتجاجات بين فينة وأخرى ضد نهب واستقطاع مستحقاتهم، وآخرها وقفة لمئات المعلمين والمعلمات بمحافظة إب في 23 يناير الجاري (٢٠٢٣). واتهم المحتجّون، اليونيسف والحوثيين بحرمانهم من "الحافز النقدي" طيلة الأشهر والسنوات الماضية.
إعاقة صرف المرتبات من عدن
كانت الحكومة قد عاودت صرف مرتبات الموظفين بعد أن نقلت عمليات البنك المركزي من صنعاء إلى العاصمة المؤقتة عدن بقرار جمهوري أصدره الرئيس هادي في 18 سبتمبر 2016.
وبدءً من يناير 2019، انتظمت الحكومة في صرف مرتبات موظفي عدد من القطاعات في مناطق سيطرة الحوثيين، قبل أن تتوقف نهاية العام جراء قرار المليشيا بمنع تداول العملة الوطنية المطبوعة حديثاً.
وكانت عملية الصرف قد شملت موظفي الصحة والقضاء والجامعات والتعليم العالي والرقابة والمحاسبة، والمتقاعدين المدنيين البالغ عددهم ١٣٦ ألف متقاعد.
وهو ما يؤكّد، وفق مراقبين، أن الهدف منع حصول الموظفين على مرتباتهم التي عاودت الحكومة صرفها من عدن.
اتفاق الحديدة وسرقة المرتبات

استمرت المليشيا الحوثية في إعاقة أي جهد يهدف لتوفير مرتبات الموظفين، ومنها اتفاق استكهولم الذي رعته الأمم المتحدة بينها وبين الحكومة الشرعية.
فقد نص الاتفاق على إنشاء حساب مؤقت بفرع البنك المركزي في الحديدة؛ تودع فيه ضرائب وجمارك الوقود المستورد عبر ميناء الحديدة وتصرف كرواتب للموظفين.
وكعادتها، أقدمت المليشيا على نقض الاتفاق بنهبها أكثر من ٣٥ مليار ريال كانت قد تجمعت في الحساب، رافضة دفع رواتب الموظفين وفقاً للاتفاق. 
وهو ما أكّدته الأمم المتحدة في يوليو 2020م، فقد أكد المبعوث الأممي مارتن غريفيث، حينها، أن ترتيبات صرف مرتبات الموظفين توقفت بسبب "قيام الحوثيين بسحب الأموال التي تم جمعها في الحساب الخاص".
ولاحقاً، كشفت الحكومة عن تجاوز المبالغ التي نهبتها مليشيا الحوثي من إيرادات الحديدة 213 مليار ريال. وقالت على لسان وزير الإعلام معمر الإرياني، إن المليشيا خصصت هذه المبالغ لتمويل حربها ضد مأرب؛ بدلًا عن صرفها لتغطية جزء من مرتبات الموظفين ووفقاً للاتفاق.
جولة نهب محتملة
ومؤخراً، نشطت مليشيا الحوثي بنشر مزاعم تفيد باقتراب صرف مرتبات الموظفين وفق كشوفات 2014 بناء على تفاهمات جديدة برعاية الأمم المتحدة.
وزعم القيادي الحوثي مهدي المشاط، منتصف يناير 2023، أن مشاورات جماعته مع الوفد العماني حملت أفكاراً "تتعلق بالملف الإنساني وفي مقدمته صرف المرتبات لكافة موظفي الدولة من عائدات النفط والغاز..".
هذه المزاعم أثارت جدلًا داخلياً انطلاقًا من التجارب المريرة مع المليشيا الحوثية طيلة السنوات الماضية، وسط تأكيدات باستحالة استئناف صرف المرتبات وفقاً لكشوفات 2014 في ظل نهج العنصرية واللصوصية الحوثية.
كابوس المرتبات
ولتفسير ما سبق، أوضح مدير عام حقوق الإنسان بأمانة العاصمة، فهمي الزبيري، أن مليشيا الحوثي تخشى من انتظام صرف مرتبات الموظفين لاعتبارات سياسية واقتصادية وطائفية.
وقال إن هذا يتقاطع مع سياسة التجويع والإفقار التي تنتهجها لمحاولة إخضاع الشعب وإشغاله بلقمة عيشه بدلاً من مطالب الحرية والحياة الكريمة، كما إنه يثبت للعالم مجدداً أنها من أعاقت الجهود المحلية والإقليمية والدولية لصرف مرتبات الموظفين طيلة السنوات الثمان الماضية.
وأضاف في تصريح لـ"الثورة نت" أن المليشيا تحصد سنوياً أكثر من 400 مليار ريال من إيرادات الدولة، إضافة إلى عائدات الأسواق السوداء والجبايات، وهو يفوق كلفة مرتبات موظفي الجمهورية بالكامل والبالغ عددهم 1.2 مليون موظف، إلا أنها لم تسلّم راتبًا واحداً للموظفين بمناطق سيطرتها؛ رغم إلزامها لهم بالدوام تحت الضغط والتهديد.
وبحسب الزبيري، فإن مليشيا الحوثي تدرك أن انتظام المرتبات أحد أسباب انتهاء انقلابها عملياً، ويظهرها كعصابة كهنوتية مغتصبة لمؤسسات الدولة. كما أنه سيحد من الأزمة الإنسانية التي تعتمد عليها لنشر خرافاتها ومعتقداتها الطائفية كخرافة الولاية في أوساط المجتمع.
ويجزم الزبيري، بأن المليشيا ستسعى لإجهاض أي جهد لاستئناف تسليم المرتبات لحماية سلطتها الكهنوتية وشعاراتها الزائفة، وقبل ذلك يفقدها ميزة التحكّم بالناس بأقواتهم، ويحرر الموظفين من مدوّنة السلوك المهينة ويعيد ربطهم بالدولة، ويحفّزهم على انتقاد فسادها ومواجهة ممارساتها الطائفية والعنصرية.
واقتصادياً، يقول الزبيري، إن صرف المرتبات سيخفف الأزمة الإنسانية؛ وهو ما يعني خسارة المليشيا جزءً كبيراً مما تنهبه من المساعدات وتحويلات المغتربين، وفوق ذلك ستكون ملزمة بتسليم إيرادات الدولة للبنك المركزي في عدن. كما أنه يجعلها في مواجهة الآلاف من عناصرها الذين وضعتهم بديلاً للموظفين الأساسيين الذين فصلتهم وهجّرتهم.
وعسكرياً، يفقدها الحالة المثالية التي صنعتها لغرض تجنيد الموظفين ومن يلونهم، من خلال استغلال حاجتهم المادية لاستدراجهم لدوراتها الثقافية الطائفية كخطوة تسبق الدفع بهم للجبهات مقابل مبلغ شهري زهيد أو سلّة غذائية تقدمها لعائلاتهم، وفقاً للزبيري.